مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية

105

موسوعه أصول الفقه المقارن

بالأمارة فيه ، وإن اختلف أصحاب هذا المسلك في تفسير السببيّة على هذا الأساس ، وذلك كما يلي : التفسير الأول : السببيّة المنسوبة إلى بعض الأشاعرة ، وهي النافية لوجود حكم في الواقع مع قطع النظر عن قيام الامارة التي بسببها تحدث مصلحة موجبة لجعل الحكم على طبقها ، وذلك يكفي في رفع الإشكال من أصله ؛ لعدم وجود حكم في الواقع حتى يكون التعبّد بالأمارة موجباً لفواته على المكلّف « 1 » . « ولكن السببيّة بهذا المعنى غير معقولة في نفسها ؛ لاستلزامها الدور ، فإنّ قيام الأمارة على الحكم فرع ثبوته واقعاً ، فكيف يتوقف ثبوته على قيامها ؟ ! مضافاً إلى كونها مخالفة للإجماع والروايات الدالة على اشتراك الأحكام بين العالم والجاهل » « 2 » . التفسير الثاني : السببيّة المنسوبة إلى بعض المعتزلة ، ومفادها أنّ الحكم الواقعي وإن كان متحققاً مع قطع النظر عن قيام الأمارة ، إلّاأ نّها من قبيل طرو العناوين الثانوية ، كالحرج والضرر ، موجبة لحدوث مصلحة في المؤدى أقوى من مصلحة الواقع ، وإذا انكشف الخلاف كان ذلك من قبيل تبدل الموضوع . وعليه لا مجال للإشكال المذكور أيضاً ؛ إذ مع قيام الأمارة على خلاف الحكم الواقعي يتبدل إلى ما يوافق مؤدّى الأمارة ، فلا يلزم تفويت المصلحة أو الإلقاء في المفسدة « 3 » . والسببيّة بهذا المعنى وإن كانت معقولة في نفسها وليست كالسببيّة بالمعنى الأول ، إلّاأ نّها باطلة أيضاً بمقتضى الإجماع والروايات الدالة على اشتراك الأحكام بين العالم والجاهل ، وأنّ الواقع لايتغيّر عمّا هو عليه بقيام الأمارة « 4 » . التفسير الثالث : السببيّة بمعنى المصلحة السلوكية ، وهي الناشئة من العمل بالأمارة والسلوك على طبقها ، فيتدارك بها ما يفوت من مصلحة الواقع على تقدير مخالفتها له بمقدار ما يفوت بسببها من مصلحة ، فإذا تبيّن عدم مطابقتها للواقع في أول الوقت فيكون العمل بالأمارة جابراً لما فات من مصلحة الصلاة أول الوقت ؛ لأنّ هذا المقدار من المصلحة هو الفائت دون ما لم يفتْ على المكلّف تحصيله ، وكذا الحال لو تبيّن عدم المطابقة خارج الوقت ، فإنّ تحصيل بعض مصلحتها بالقضاء لم يفتْ على المكلّف بسبب العمل بالأمارة ، لإمكان تداركها خارج الوقت بقضاء الصلاة . وبذلك حاول الشيخ الأنصاري « 5 » ومن تبعه « 6 » التأكيد على عدم استلزام التعبّد بالظن تفويتاً للمصلحة أو إلقاءً في المفسدة . إلّا أنّ السببيّة بهذا المعنى أيضاً ممّا لا يمكن الالتزام بها ؛ لكونها مستلزمة لتبدل الحكم الواقعي بنوع من التصويب ؛ إذ لو فرض كون سلوك الأمارة مشتملًا على مصلحة يتدارك بها مصلحة الواقع الفائتة ، فلا يعقل تعلق الإيجاب بالواقع تعييناً ؛ لكونه ترجيحاً بلا مرجّح ، بل لابدّ من تعلق الإيجاب بالواقع أو سلوك الأمارة تخييراً . وبعبارةٍ أخرى : بعد كون الوجوب تابعاً للمصلحة على ما هو مذهب مشهور العدلية ، فإذا كان كلّ من الأمرين مشتملًا عليها تعيّن على الشارع الحكم بوجوبهما تخييراً ،

--> ( 1 ) . انظر : المستصفى 2 : 213 ، ونقل ذلك عنهم في ميزان الأصول 2 : 1052 . ( 2 ) . مصباح الأصول 2 : 95 بتصرّف . ( 3 ) . انظر : التبصرة : 499 ، ميزان الأصول 2 : 1052 . ( 4 ) . انظر : بحوث في علم الأصول ( الهاشمي ) 4 : 216 . ( 5 ) . فرائد الأصول 1 : 114 - 123 . ( 6 ) . أجود التقريرات 3 : 117 .